الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
193
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
[ النساء : 143 ] وقول المرأة الرابعة من حديث أم زرع : « زوجي كليل تهامة لا حرّ ولا قرّ » « 1 » أي وسطا بين الحر والقر وقول العجاج يصف حمار وحش : حشرج في الجوف قليلا وشهق * حتى يقال ناهق وما نهق والمعنى : أنها زيتونة جهتها بين جهة الشرق وجهة الغرب ، فنفي عنها أن تكون شرقية وأن تكون غربية ، وهذا الاستعمال من قبيل الكناية لأن المقصود لازم المعنى لا صريحه . وأما إذا لم يكن الأمران المنفيان متضادين فإن نفيهما لا يقتضي أكثر من نفي وقوعهما كقوله تعالى : وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ لا بارِدٍ وَلا كَرِيمٍ [ الواقعة : 43 ، 44 ] وقول المرأة الأولى من نساء حديث أم زرع : « زوجي لحم جمل على رأس جبل ، لا سهل فيرتقى ولا سمين فينتقل » . واعلم أن هذا الاستعمال إنما يكون في عطف نفي الأسماء وأما عطف الأفعال المنفية فهو من عطف الجمل نحو : فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى [ القيامة : 31 ] وقوله صلى اللّه عليه وسلّم : « لا هي أطعمتها ولا تركتها تأكل من خشاش الأرض » . واعلم أيضا أن هذا لم يرد إلا في النفي بلا النافية ولذلك استقام للحريري أن يلقب شجرة الزيتون بلقب « لا ولا » بقوله في المقامة السادسة والأربعين « بورك فيك من طلا . كما بورك في لا ولا » أي في الشجرة التي قال اللّه في شأنها : لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ . ثم يحتمل أن يكون معنى : لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ أنها نابتة في موضع بين شرق بلاد العرب وغربها وذلك هو البلاد الشامية . وقد قيل إن أصل منبت شجرة الزيتون بلاد الشام . ويحتمل أن يكون المعنى أن جهة تلك الشجرة من بين ما يحف بها من شجر الزيتون موقع غير شرق الشمس وغربها وهو أن تكون متجهة إلى الجنوب ، أي لا يحجبها عن جهة الجنوب حاجب وذلك أنفع لحياة الشجرة وطيب ثمرتها ، فبذلك يكون زيتها أجود زيت وإذا كان أجود كان أشد وقودا ولذلك أتبع بجملة : يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ وهي في موضع الحال . وجملة : وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ في موضع الحال من زَيْتُها . والزيت : عصارة حب الزيتون وما يشبهه من كل عصارة دهنية ، مثل زيت السمسم
--> ( 1 ) تمام القرينة : « ولا مخافة ولا سآمة » .